السيد عباس علي الموسوي

340

شرح نهج البلاغة

تقوى اللّه ، وحبا له وطاعة لأوامره وشكرا له على إحسانه وكرمه . إن سعة الرزق تستحق أن يقف الإنسان عندها وقفة اعتراف بالكرم الإلهي فيؤدي شكرها ، ولكن للأسف الشديد فبدل ذلك سار أصحاب الأرزاق في الضلال والإسراف والبغي والعناد ، لقد حولوا هذه السعة في الرزق إلى أداة زرع الفساد ونشر الضلال ، ولقد رأينا بأعيننا كيف تحولت بعض الأموال والأرزاق من نعمة إلى نقمة ، ومن منحة إلى محنة ، فعند ما كان فقيرا كان يتقي اللّه ويطيعه ولكن عندما مدّ اللّه له في الرزق والعطاء بغى وطغى فشرب الخمر وأكل الحرام وفتح باب السكر والانحراف وراح يسعى في إضلال الناس وإغوائهم ويساعد على انحراف المجتمع وإفساده . لقد تحول إلى عنصر مخرب يضرم نار الفساد في كل ما تطاله يده . ثم إن الإمام رغبنا في أن القضية بأيدينا ومفتاح ذلك معنا نستطيع أن نستعمله متى أردنا ولذا قال : « ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك من مسألته فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته واستمطرت شآبيب رحمته . . . فلا يقنطنك إبطاء إجابته فإن العطية على قدر النية وربما أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل وأجزل لعطاء الآمل . وقد تقدم منا في مبحث الدعاء ما ينير لنا الدرب في شرح هذه الفقرات العلوية المباركة . . . ( وربما سألت الشيء فلا تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك . فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته . فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله ، فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له ) نعم ربما طلب الإنسان أمرا فلا يؤتاه ويظن عندها الظنون والخواطر والأوهام ولكن قد يكون بطلبه ذاك ضياع دينه وخسران سعادته فعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، فإن الإنسان لقصوره قد يتصور أن سعادته تتحقق في هذا الأمر المطلوب ولكنه يجهل أن شقاءه قد يكون فيه . ثم إن الإمام يوجه هذا الإنسان إلى أن يطلب معالي الأمور وكبارها ويهتم بالعظيم والجليل مما يحقق له سعادة الدارين ويكسبه رضا اللّه ولا يجعل كل همه في طلب المال الذي لن يبقى لهذا الإنسان ولا هذا الإنسان يبقى له . ( واعلم يا بني أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا وللفناء لا للبقاء ، وللموت لا للحياة ، وإنك في منزل قلعة ودار بلغة وطريق إلى الآخرة ، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه ، ولا يفوته طالبه ، ولا بد أنه مدركه . فكن منه على حذر أن يدركك وأنت